الأحد الجديد ـ أحد مار توما



الأحد الجديد ـ أحد مار توما

بقلم قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى



«ثم قال لتوما: هات إصبعك وانظر يدي وهات يدك وضعها في جنبي

ولا تكن غير مؤمنٍ بل مؤمناً» (يوحنا 20: 27)

إن قيامة السيد المسيح من بين الأموات أيها الأحباء، هي أساس عقيدة الفداء. وعقيدة الفداء هي الحلقة الأم في سلسلة العقائد المسيحية. فالسيد المسيح الإله المتجسد لم ينزل من السماء، ويتجسّد من العذراء مريم، ويجبل منها بقوة الروح القدس جسداً كاملاً، المسيح يسوع الذي هو الكلمة الذي هو منذ البدء، الذي يقول عنه الكتاب المقدس: اللـه ظهر بالجسد (ا تيمو3: 16).

لم يقم بتدابيره الإلهية كافةً من ميلادٍ وعمادٍ وتجارب وتعاليمٍ سماوية واجتراح معجزات، بل لم يمت على الصليب بإرادته، ويدفن في قبرٍ صغيرٍ نُحت من صخرٍ، لم يفعل ذلك كله إلاّ ليقوم من بين الأموات منتصراً على الموت، هادماً أركان الهاوية، لينادي وننادي معه: أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية (1 كو15: 55). فكانت قيامته من بين الأموات ضروريةً لأنه هو الذبيحة الكفاريّة الذي قدمها بنفسه فديةً عن العالم.

والذبيحة عادةً في العهد القديم كانت عندما تقدّم يعلن قبولها من السماء. فكثيراً ما نقرأ أن ناراً تأتي من السماء لتلتهب وتلتهم الذبيحة التي تقدّم كما جرى في ذبائح الأبرار والأتقياء ومنهم إيليا النبي. والمسيح وهو ذبيحة عنا، كان لابدَّ أن تُعلنَ السماء قبوله فدية عن البشرية. فلو لم يقم لكنَّا قد قرأنا في التاريخ كما نقرأ عن سائر الأبطال والرجال العظام، أن إنساناً أتى بشريعةٍ إلهية، وصنع المعجزات ولكنه مات على يد اليهود ودُفن في قبرٍ جديد وهذه خاتمة حياته ولما اعتبرناه كفارةً عنّا؛ ولكن بقيامته من بين الأموات أعلن الآب السماوي أنه قَبِلَ ابنه الوحيد، الرب يسوع ذبيحةً عن البشرية، فهو إذاً فادينا. ولو لم يكن قد قام من بين الأموات لباطلٌ إيمانكم وباطلةٌ كرازتنا، أنتم بعد في خطاياكم يقول الرسول بولس (1كو15: 14ـ 21) بل يقول أيضاً: إننا نوجد شهود زورٍ لأننا قد شهدنا بأنه قام وهو لم يقم. فكانت قيامته ضرورية لتكون قيامته مقبولة لدى اللـه. وقيامته ضرورية لإثبات أقواله ومطلوبه خاصةً أنه هو اللـه. فقد أعلن لنا بأنه هو والآب واحد، وأعلن لنا أيضاً بأنه هو القيامة والحياة. وأنَّ من آمن به وإن مات فسيحيا. وأعلن لنا أيضاً مخبراً ومنبئاً قبل أن يتألم وقبل أن يقوم من بين الأموات بمدة كافية، أنه يُسلَّم إلى اليهود ويُقتل ويموت ويُدفن وفي اليوم الثالث يقوم. وأعلن لتلاميذه أن يسبقوه إلى الجليل هناك يرونه. فلو لم يقم من بين الأموات، لما كان إلهنا، ولما كان فادينا، ولما كان مسيحنا، ولكُنَّا نحن بعد في خطايانا. ولكنه قام، وحقيقة قيامته واضحة صريحة. شهودها كثيرون، أصدقاء وأعداء في آنٍ واحد. أعداؤه كانوا قد ختموا القبر بأختام الرومان وأقاموا حرَّاساً. والحراس عندما شعروا بأن الأرض تتزلزل، ورأوا نوراً باهراً، بُهتوا وصاروا كالأموات. ثم رأوا الملائكة، فقد قام المسيح.

قام والأختام موجودة، والحجر كان موجوداً على القبر. كما ولد من عذراء، وهي عذراء قبل الولادة، وفي الولادة، وبعد الولادة. هكذا قام من القبر والأختام محفوظة. وبعد أن قام جاء الملاك ودحرج الحجر ليعلن أنه قبرٌ فارغٌ لأنَّ الرب قد قام من بين الأموات. والشهود الأعداء أخبروا أعداء الرب: الكهنة، الكتبة، الفريسيين الذين صلبوا ربنا. وهؤلاء كانت لهم الفرصة الأخيرة لكي يؤمنوا بالرب، ولكنّهم أصروا على المكوث في حالة الخطيئة فكانوا من الهالكين. فزادوا خطاياهم خطيئةً أخرى، فقد رشوا الحراس بفضة وقالوا: قولوا إن تلاميذه قد أتوا وسرقوه ونحن نيام (مت28: 13). وهذه القضية باطلة جداً لأنّه لا يمكن أن يعرف الحراس أن التلاميذ سرقوا جسد الرب إذا كانوا نياماً.

فمن أين علموا أن تلاميذ الرب سرقوا جسده؟ ثم من واجب الحارس أن يكون يقظاً، والقانون الروماني كان يحكم بالإعدام على الحارس الذي ينام، ولكن قالوا لهم عندما تُسمع هذه القضية عند الوالي نحن نخلّصكم.

أصدقاء الرب شهودٌ لقيامته، فقد قام حقاً. هؤلاء الأصدقاء كانوا قد هربوا خوفاً من اليهود يوم صُلِب الرب. لم يبقَ من التلاميذ سوى يوحنا الحبيب والنسوة اللواتي تبعنه حتى آخر لحظة من وجوده على الصليب عندما مات وهو الإله المتجسد. بل لعل بعضهن كنَّ مع التلميذَين، يوسف الرامي ونيقوديموس عندما حنّطا جسد الفادي ودفناه في القبر الجديد الذي كان يملكه يوسف الرامي. بالقرب من جبل الجلجلة. وكان ذلك اليوم يوم جمعة، وكاد السبت يحلّ ولم يكن لهم وقتٌ ليدفنوه في مكانٍ آخر. فدفنوه في هذا القبر الجديد.

التلاميذ بعضهم كاد يترك كل شيء ويعود إلى عمله، ويعتبر السنين الثلاث التي قضاها مع الرب كتلميذ في حكم التاريخ. ولكن في فجر الأحد عندما أتت المريمات ليُحنِطنَ الجسد، يَضعنَ البخور بحسب عادة اليهود، وكنَّ مفتكرات من يدحرج لهنَّ الحجر لأن الحجر كان عظيماً وكبيراً جداً. أتينَ ورأينَ القبر فارغاً. بل رأينَ ملاكين جالسين في القبر، مكان الرأس ومكان الرجلين. والملاكان قالا لهن: لماذا تطلبنَ الحي بين الأموات؟ إنه ليس ههنا لكنه قام كما قال، اذهبن وقلن لتلاميذه ليسبقوه إلى الجليل كما قال (لو24: 1ـ 6). ونرى المجدلية تصادف الرب وتظنه البستاني. وعندما يناديها باسمها مريم، تعرف بأنه الرب، فتجثو له. ويأمرها أيضاً بأن تخبر التلاميذ وبطرس عن قيامته. في ذلك النهار يوم القيامة ظهر للمجدلية ولاثنتين أخريين من التلميذات. وظهر للتلميذين أيضاً. كانا راجعين إلى عمواس قريتهما. وظهر أخيراً للتلاميذ في العلية وكانت الأبواب مغلقة. وكان التلاميذ قد اجتمعوا ليفحصوا ويدققوا في أمر شهادة هؤلاء الشهود عن قيامة الرب. فالذين رأوه حدَّثوا الآخرين بأنهم عاينوا الرب، حقاً إنه حي، حقاً قد قام من بين الأموات. وإنهم تذكروا حين ذلك أنه أوصاهم بأن يسبقوه إلى الجليل، أنه ذكر عن قيامته مراتٍ عديدة ولم يفهموا ذلك.

مثلاً، ضرب لهم مثل القيامة والموت عن يونان. قال كما أن يونان كان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، هكذا ينبغي أن يكون ابن البشر في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ (مت12: 4). وتذكروا أيضاً قوله لليهود عن الهيكل حيث قال: انقضوا هذا الهيكل وأنا أقيمه في ثلاثة أيام (يو2: 18). وتذكَّر أيضاً الرسل الثلاثة، بطرس ويعقوب ويوحنا، أنه قال لهم بعد أن تجلّى أمامهم بالمجد: أن لا يذكروا ذلك لأحد حتى يقوم ابن الإنسان من بين الأموات (مت17: 9). لم يكونوا يفهمون معنى القيام من بين الأموات. لكن عندما قال الشهود للتلاميذ بأنه قد قام من بين الأموات تذكروا أقواله كلها. وبينما كانوا مجتمعين باسم المسيح ويذكرون ذلك الاسم المقدس وقد وعد بأنه: إن اجتمع اثنان أو ثلاث باسمي فأنا أكون بينهم (مت18: 20). في ذلك اليوم خمس مرات ظهر، في المرة الخامسة كانوا في العلية مجتمعين باسمه. فظهر بينهم في وسطهم وكلمهم قائلاً: السلام لكم. نفخ في وجوههم وأعطاهم رسالته لينشروها في العالم. لم يكن توما مع التلاميذ عندما كانوا مجتمعين في العلية في أحد القيامة. والتلاميذ أخبروه عن ذلك. لم يصدق. لا نعلم لماذا. هل لأنه كان يحب الرب كسائر التلاميذ وربما أكثر من هذا؟ هل لأن في قلبه روح شكٍ؟ أنلوم توما أيها الأحباء.

إن أمر القيامة، أمرٌ عجيب لم يحدث أبداً في العالم. حقاً إن المسيح أقام موتى، أقام الشاب ابن الأرملة، أقام ابنة يايرس، بل أقام اليعازر بعد موته ودفنه بأربعة أيام. ولكن أن يقيم الإنسان نفسه بنفسه هذا أمرٌ عجيبٌ جداً.

لماذا نلوم توما؟ ألم يحب توما الرب كما أحبّه التلاميذ. مرةً عندما قال الرب لنذهب إلى اليهودية لإقامة اليعازر وكان اليهود يطلبون أن يقتلوا الرب، قال توما للتلاميذ: لنذهب ونموت معه (يو11: 16). هذه علامة محبته الشديدة للرب. لكن نقرأ أيضاً عن توما في الإنجيل، إنه كان يتصف بروح التشاؤم والكآبة والحزن.

ومكث توما سبعة أيام كسفينة صغيرة في بحرٍ خضم، تتقاذفه أمواج الشكوك ويكاد يتحطّم. ولكن يعطينا توما درساً خالداً عندما تنتابنا المصائب والمصاعب والنوائب والأمراض والشكوك والتجارب. كيف أنه علينا أن لا نكون بعيدين عن اللـه وعن كنيسة اللـه وعن تلاميذ الرب. فتوما رغم شكوكه وتظاهره بعدم تصديقه إخوته التلاميذ، لكنه كان معهم، لم يغادرهم أبداً. هذا ما دلَّ على أن شكوك توما كانت طريقاً للإيمان. بل كان بشكوكه ملتجئاً إلى اللـه لكي يخلّصه وينقذه مما في قلبه وعقله من أفكار قد نسميها أفكاراً شريرة لأنها ليست أفكار إيمان بل أفكار شكوك.

وفي اليوم الثامن، في مثل هذا اليوم، أيضاً كان يوم أحد، الذي أصبح يوماً مقدساً لأن فيه قام المسيح من بين الأموات، وفيه ظهر المسيح للتلاميذ وأصبح علامةً لحياةٍ جديدةٍ لنا، وفيه أيضاً تجدد التلاميذ وأصبحوا شهوداً للمسيح يسوع وقيامته. ومن بين هؤلاء التلاميذ توما. وفي يوم الأحد، الأحد التالي للقيامة كان التلاميذ مجتمعين في العلية والأبواب والشبابيك مغلقة، وتوما كان معهم وظهر المسيح في الوسط. التفت إلى توما: هات يا توما إصبعك وانظر أثر المسامير، وهات يدك وضعها في جنبي (يو20: 27). لأن توما كان قد تحدّى، أنه إن لم يضع إصبعه مكان المسامير في يدي الرب وإصبعه مكان الحربة في جنب الرب لا يؤمن. فقال له: هات إصبعك وضعها مكان المسامير، في موضع المسامير. فالمسامير وموضع المسامير علامة محبة الرب لنا. هات يدك وضعها في جنبي، ومن هنا نعلم الجرح المثخن الذي قد جرح جنب الرب. هات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمنٍ بل مؤمناً. جثا توما وسجد أمام الرب وصرخ ربي وإلهي. قال له: لأنك رأيتني يا توما فأمنت، طوبى للذين لم يرو وأمنوا (يو20: 29).

أيها الأحباء إن رسالة القيامة هي رسالة المسيحية وأساس العقيدة. وهذه الرسالة نلخِّصها بعبارة واحدة: تعال وانظر، واذهب وبشر. فتوما لم يرَ الرب. أن يذهب ويبشر بقيامة الفادي بناءً على شهادة غيره. ولكن أراد أن يرى هو بنفسه. فإذا ما ذهب وبشر يستطيع أن يقف أمام الناس ويقول: أنا رأيت المسيح، قد قام حقاً من بين الأموات. وتوما بشكوكه أزال عنَّا الشكوك. لو لم يتشكك توما بالمسيح يسوع لكان ملايين من المسيحيين قد ساورتهم الشكوك بأن الذي ظهر للتلاميذ قد يكون خيالاً. ولكن عندما نسمع أن المسيح قد ظهر وعلامات الصلب موجودة مكان المسامير في يديه ورجليه ومكان الحربة في جنبه، نعلم أن المسيح الذي أحبَّنا، علامة المحبة باقية معه في السماء، لأنه قد جُرح في بيت أحبائه كما قال النبي زكريا (زك13: 6). ونعلم أيضاً أن المسيح بعد أن قام من بين الأموات قام بالجسد. ولكن هذا الجسد هو جسد روحاني يستطيع أن يوجد في كل مكان، ويخترق المادة بسهولة. عندما قام قلنا قام من القبر والصخرة موجودة على باب القبر. ودخل العلية والأبواب والشبابيك مغلقة. ونعلم أيضاً أن هذا الجسد ظهر في التجلي عندما تجلى الرب أمام التلاميذ وأعلن مجده. وهو في جسدنا أراد أن يعلن لهم أننا نحن أيضاً عندما نتمجّد في القيامة، عندما تقوم أجسادنا متحدة بأرواحنا سنكون بملء قامة المسيح أي كجسد المسيح بالذات. قام المسيح وعمره ثلاث وثلاثون سنة وعندما نقوم سنقوم بهذا العمر، بهذه السن، بملء قامة المسيح. وستكون أجسادنا روحية. فالرسول بولس عندما يتكلم عن هذا الموضوع يقول عن الجسد: يُزرع بفساد، يقوم بغير فساد (1كو15: 42). يُزرع جسدنا بهوان ويقوم بمجد، يُزرع جسداً حيوانياً ويقوم بجسد روحاني. من هنا نرى أن أساس عقائدنا المسيحية كافةً هي عقيدة قيامة المسيح من بين الأموات. ويؤكد ذلك الرسول بولس في رسالته الأولى إلى كورنثوس التي كتبها سنة ثماني وخمسين، أن الرب ظهر لأكثر من خمسمائة ألف أكثرهم لا يزالون على قد الحياة، فالذين شهدوا أن المسيح قد قام من بين الأموات وضعوا في قلوبنا الإيمان الحقيقي أن المسيح إذ أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات. وقيامته أساس لعقيدة القيامة العامة من بين الأموات. إن كنا نؤمن أن المسيح قد قام من بين الأموات ونثبت على هذا الإيمان علينا أن نسلك في جدة الحياة لنكون شهوداً للمسيح لا في الكلام فحسب، بل بالفكر أيضاً. إذ دائماً نلهج بقيامة المسيح بفكرنا، ونظهر هذه القيامة بسلوكنا بين الناس كأناسٍ قاموا من بين الأموات كالمسيح يسوع. لنستحق في يوم القيامة عندما يأتي المسيح ثانيةً أن نتمجد معه ونكون معه بأجسادنا الممجدة ونملك معه إلى الأبد ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.